حماس وجماعات الفكر المتطرف.. جذور الأزمة وآفاق الصدام

A+ A-

نشر بتاريخ : 04/09/2017 ( آخر تحديث : 04/09/2017 الساعة: 09:09 )
كاتب المقال : مؤمن بسيسو المحرر : فريق التحرير

فجّرت العملية التفجيرية التي نفذها مؤخرا أحد متطرفي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في مجموعة أمنية تابعة لحركة حماس على الحدود المصرية مع قطاع غزة، وابلا من الأسئلة المقلقة حول بواعث وأسباب نمو الفكر المتطرف داخل القطاع، وحجم التهديد الذي يشكله لحكم حماس، ومدى نجاعة المعالجات الأمنية البحتة لحماية الأمن والاستقرار الداخلي، فضلا عن مستقبل العلاقة بين حماس وتنظيم "داعش - ولاية سيناء" الذي يحاول جرّ العديد من العناصر الشبابية إلى مستنقع التطرف داخل القطاع.

البواعث والأسباب

ينتصب سببان أساسيان يمكن أن يفسرا ظهور الفكر المتطرف في قطاع غزة، وتطوره إلى تجسيدات عملية جعلت من فكرة القتل والتفجير الانتحاري وسفك الدماء واستهداف المقدرات والمنشآت، أمرا سهلا لدى العناصر المتطرفة التي تؤمن بالفكر الداعشي الخالص.

"من أسباب بروز الفكر المتطرف لدى بعض العناصر الشبابية داخل القطاع، الظروف المعيشية القاهرة التي يعانيها أهالي قطاع غزة، وانتشار مظاهر الفقر والبطالة وسوء الحال، وتفشي مظاهر الفساد في الطبقتين السياسية والاقتصادية في المجتمع. فقد دفعت الحاجةُ الماسة والعوزُ الشديد وسيادةُ نزعات الانتقام العديدَ من الشبان للالتحاق بالفكر المتطرف "

ينبغي الاعتراف أولاً بأن معظم العناصر المتطرفة قد تحدّرت من صفوف الحركات الإسلامية الفلسطينية، وأن جذر المشكلة يكمن في أساليب التلقين الكامل التي ميّزت النُّظُم التعبوية فيها، مما جعل هذه العناصر أقرب ما تكون إلى الانغلاق وسوء الظن بالآخر، وعدم قبول واستساغة الأفكار الأخرى أو حتى تقبّل فكرة الحوار مع أصحابها، وجعل نظرتها إلى الآخر الوطني محكومة بالريبة والشك على الدوام.

وإثر فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، وما تلاه من تشكيلها الحكومة الفلسطينية العاشرة منفردة، وترؤسها لحكومة الوحدة الوطنية عام 2007 مع حركة فتح، وصولا إلى الأحداث الدموية صيف العام نفسه بين حماس وفتح والتي انتهت بسيطرة حماس على كامل جغرافية قطاع غزة؛ بدأت حماس تواجه مشكلة جديدة في نظرة الكثير من عناصرها إلى ما يُفترض أن تمارسه من واجبات ومسؤوليات في إطار حكمها المنفرد للقطاع، وخصوصا في مجال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بشكل كامل، ومواجهة مظاهر الفساد الأخلاقي في المجتمع.

لكن تعقيدات الحالة الفلسطينية تحت الاحتلال، وانعدام مقومات تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بشكل كامل وخاصة الحدود؛ دفعت بعض العناصر الشابة المتحمسة والمتعجلة داخل الحركة للخروج عن صفها، وإنكار نهجها الذي رأوا فيه تخاذلا عن نصرة الدين، مما مهد الطريق أمامهم للالتحاق بالفكر المتطرف الذي يعتبر تنظيم "داعش" حاضنته الرئيسية.

أما السبب الآخر لبروز الفكر المتطرف لدى بعض العناصر الشبابية داخل القطاع، فيكمن في الظروف المعيشية القاهرة التي يعانيها أهالي قطاع غزة، وانتشار مظاهر الفقر والبطالة وسوء الحال، وتفشي مظاهر الفساد في الطبقتين السياسية والاقتصادية في المجتمع.

فقد دفعت الحاجةُ الماسة والعوزُ الشديد وسيادةُ نزعات الانتقام العديدَ من الشبان للالتحاق بالفكر المتطرف الذي يرون فيه سبيلا لممارسة الهروب إلى الأمام، ومواجهة الظروف المتردية التي يعيشونها، ومعاقبة الطبقة الحاكمة التي يحمّلونها المسؤولية عما آلت إليه أحوال المجتمع من فقر وفساد.

حجم التهديد

لا تنبع خطورة التهديد الذي تشكله العناصر المتطرفة على حكم ونفوذ حماس في غزة من الأعداد المنتسبة أو الموالية للتنظيم، أو من قوة الفكر المتطرف الذي يعتنقونه ومدى تأثيره في المجتمع، إذ إن أعداد هذه العناصر ليست كبيرة نسبيا، وتقدر في جملتها بمئات يحمل الكثير منهم فكر ومبادئ التنظيم دون أي فعالية حركية ميدانية، فضلا عن تهافت الحجج الشرعية والأدلة العقلية والمنطقية التي ينبني عليها فكر التنظيم، وانعدام تأثيرها في المجتمع داخل القطاع.

لكن مكمن الخطورة يتبدّى في طبيعة الخطر الكبير الذي يمكن أن تشكله بعض العناصر والمجموعات التابعة للتنظيم، إذا ما قررت تنفيذ عمليات تخريبية أو استهداف أشخاص أو مصالح أو منشآت تابعة لحكومة حماس وأجهزتها الأمنية، أو أية أهداف أخرى داخل القطاع.

ولعل استحضار ماضي التهديدات التي تحملها عناصر هذا التنظيم ينبئ بالعديد من العمليات التخريبية التي حاول هؤلاء تنفيذها على مدار السنوات الماضية، وتم كشفها من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة حماس قبل وقوعها، والتي كان من الممكن أن توقع أعدادا كبيرة من الضحايا لولا لطف الله بعباده، فضلا عن بعض العمليات التي تم من خلالها تفجير عبوات ناسفة في سيارات وبعض النقاط الأمنية، إلا أن لطف الله حال أيضا دون وقوع ضحايا.

"مكمن الخطورة يتبدّى في طبيعة الخطر الكبير الذي يمكن أن تشكله بعض العناصر والمجموعات التابعة للتنظيم، إذا ما قررت تنفيذ عمليات تخريبية أو استهداف أشخاص أو مصالح أو منشآت تابعة لحكومة حماس وأجهزتها الأمنية، أو أية أهداف أخرى داخل القطاع. ولعل استحضار ماضي التهديدات التي تحملها عناصر هذا التنظيم ينبئ بالعديد من العمليات التخريبية التي حاول هؤلاء تنفيذها سابقا"

الجانب الآخر من طبيعة التهديدات -التي تحملها العناصر المتطرفة التابعة لـ"داعش" تجاه حكم حماس- يكمن في توجه هذه العناصر في بعض الأحيان نحو الاحتلال، بهدف الضغط على حماس وأجهزتها الأمنية، وإجبارها على إطلاق سراح عناصرها ووقف ملاحقتهم أمنيا.

فقد أطلق عناصر التنظيم صواريخ على بعض المدن الجنوبية والمناطق المحاذية لقطاع غزة في الداخل الفلسطيني المحتل في فترات زمنية مختلفة، وهو ما استتبع ردود فعل إسرائيلية عسكرية ميدانية تمثلت في قصف مواقع ومراكز تابعة لكتائب القسام الجناح العسكري لحماس، وأخرى تابعة للأجهزة الأمنية التي تديرها الحركة.

لذا، فقد كثفت هذه الأجهزة الأمنية جهودها لتعقب وملاحقة عناصر التنظيم خشية جرّ حماس -في إطار الفعل ورد الفعل- إلى حرب أو تصعيد عسكري مفتوح مع الاحتلال، ومنع أي محاولات جديدة لضرب الأمن والاستقرار الداخلي في القطاع.

ومع ذلك، فإن العملية التفجيرية الأخيرة التي نفذها أحد عناصر "داعش" في مجموعة تابعة لأحد أجهزة حماس الأمنية على الحدود المصرية مع القطاع مؤخرا، أشعلت الضوء الأحمر من جديد، وأعادت إلى الواجهة الشعور بالخطر والتهديد الذي يمكن أن تشكله هذه العناصر والمجموعات المتطرفة داخل المجتمع الغزي خلال المرحلة القادمة.

وقد واجهت حماس صعوباتٍ جمةً في محاولاتها تدجين واحتواء العناصر المتطرفة التابعة لـ"داعش"، فقد بذلت الحركة جهودا مضنية في سبيل إضفاء نوع من التغيير أو المرونة على أفكار وقناعات عناصر التنظيم على مدار السنوات الماضية دون جدوى.

وتركزت هذه الجهود على وجه الخصوص داخل سجون الأجهزة الأمنية التابعة لحماس، وشملت المئات من العناصر المتطرفة التي تم اعتقالها على فترات زمنية متفاوتة، حيث شكلت الحركة لجنة علمية متخصصة -من كبار العلماء والدعاة المنتمين إليها- خاضت حوارات فكرية وشرعية مطولة مع قادة وعناصر التنظيم.

ففندت اللجنة أفكارهم وتوجهاتهم وأثبتت زيف وخطأ قناعاتهم ومبادئهم، وبينت حجم مخالفتها لأحكام ونصوص ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتناقضها التام مع الأهداف العامة والمقاصد الكلية للدين، وتضادها الكامل مع مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

لكن العلماء الشرعيين -الذين خاضوا هذه الحوارات مع عناصر التنظيم- واجهوا صعوبات حقيقية في تحويل قناعات هذه العناصر إلى الاتجاه الإيجابي، نتيجة الثقافة الضحلة والفكر السطحي لهؤلاء، وفهمهم المعوج للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. وكثيرا ما كان هؤلاء العناصر يتظاهرون بالاقتناع، ويوقّعون على تعهدات بالتزام الانضباط وعدم الإخلال بأمن المجتمع فيتم إطلاق سراحهم، ومن ثمّ يعودون إلى ذات صنيعهم الخبيث، ويُصار إلى اعتقالهم من جديد.

وهكذا، تبدو المعالجات الأمنية الخالصة مهيمنة على سبل مواجهة هذه العناصر وفكرها المتطرف، وإن كان ذلك لا يعني ضرورة عدم علاج الجذور الحقيقية التي أدت إلى نمو هذا الفكر المتطرف في بعض الأوساط الشبابية داخل القطاع.

مستقبل العلاقة

يبدو مستقبل العلاقة بين حماس والعناصر المتطرفة التابعة لـ"داعش" مرشحا لمزيد من التوتر والتعقيد، ولا تتوفر أية مؤشرات على جنوح الطرفين نحو التهدئة أو المهادنة خلال المرحلة المقبلة.

"ابتدرت حماس عدة محاولات في السابق لتكريس صيغ تفاهم هادئة مع العناصر المتطرفة تلزمهم بالصمت والسكون الميداني، في مقابل إيقاف الحملات الأمنية لملاحقتهم وإيداعهم السجون، إلا أن هذه العناصر كانت تنقض عرى هذه التفاهمات باطراد، وتعيد عجلة التوتر والملاحقة الميدانية إلى البداية مجددا. ولا يشي الأفق القريب بأي تغيّر في هذه المعادلة"

فقد ابتدرت حماس عدة محاولات في السابق لتكريس صيغ تفاهم هادئة مع العناصر المتطرفة تلزمهم بالصمت والسكون الميداني، في مقابل إيقاف الحملات الأمنية لملاحقتهم وإيداعهم السجون، إلا أن هذه العناصر كانت تنقض عرى هذه التفاهمات باطراد، وتعيد عجلة التوتر والملاحقة الميدانية إلى البداية مجددا.

ولا يشي الأفق القريب بأي تغيّر في هذه المعادلة، بل إن الحوارات الفكرية التي جرت داخل السجون لم تنجح في ثني هذه العناصر عن التمسك بمنهجها الفكري المنغلق، والإقلاع عن غطرسة القناعات الجامدة التي تؤمن بالتفسير الأحادي لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، الخارج عن روح النصوص والفهم السليم لها ومنطوق الأهداف والمقاصد الكلية للدين.

وحين نتحدث عن مستقبل العلاقة مع "داعش"، فإن الأمر لا ينصرف إلى العناصر المتطرفة الموجودة داخل قطاع غزة، بل يشمل الأمر البنية الأساسية للتنظيم الموجودة داخل سيناء على الأراضي المصرية.

في غزة، تنشط الأجهزة الأمنية التابعة لحماس في متابعة وتعقب وملاحقة عناصر التنظيم، وتضعهم تحت مجهر الفحص والمراقبة الأمنية الدائمة، وترصد كل شاردة وواردة تصدر عنهم، وتضعهم تحت مطرقة الضغط النفسي المتواصل، بهدف حجزهم عن أي محاولة للإخلال بالأمن، أو إتيان أي أعمال عدائية ضد المصالح والمنشآت الأمنية أو أية أهداف مدنية، بحيث أشغلتهم بحماية أنفسهم وجعلت قدرتهم على التخريب والمس بالأمن والاستقرار محدودة.

وفي المقابل، فإن إجراءات أجهزة حماس على الحدود المصرية مع قطاع غزة، واستعداد الحركة المعلن لعمل كل ما من شأنه التصدي لخطر تنظيم "داعش - ولاية سيناء" في إطار حماية الحدود مع مصر، ومنع تسلل العناصر المتطرفة من وإلى قطاع غزة، يجعل منها عدوا لهذا التنظيم، الذي يحاول استقطاب وتجنيد أكبر عدد ممكن من العناصر داخل القطاع.

وفي كل الأحوال، فإن العلاقة بين "داعش - ولاية سيناء" وحماس آخذة في الانحدار يوما بعد يوم، غير أن القبضة الأمنية المصرية في التعامل مع التنظيم في سيناء، والعين الأمنية المفتوحة لـ"حماس" على عناصره التابعة والموالية في غزة، تقلصان الأخطار والتحديات التي يحملها التنظيم إلى حد كبير.

ختاما..؛ ينبغي عدم الاكتفاء بالمعالجات الأمنية لمواجهة الفكر المتطرف داخل غزة، واتخاذ مبادرة حلّ جذرية لمنع انتشار التطرف داخل المجتمع الغزي، عبر إنهاء تفرّد حماس بحكمها لغزة وما أدى إليه ذلك من حصار خانق وظروف معيشية قاهرة، فضلا عن تكييف الحركة لنهجها السياسي وتعبئتها التنظيمية مع مقتضيات الواقع السياسي المتغير ومتطلبات المصلحة الوطنية الفلسطينية.

\

صور تابعة للخبر

سمات

إضاءات على عملية القدس وأسباب نجاحها

​أوسلو.. ماذا ننتظر؟!

هنية والمحاور الثلاثة

الضفة الغربية أمل الفلسطينيين المنتظر

اختيارات القراء

ر